المناوي
89
طبقات الصوفية ( الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية )
وأذّن مرّة ، فلمّا تشهّد قال : لولا أنّك أمرتنا بهذا الذّكر ما ذكرت معك غيرك . ودخل على الجنيد ، فقال الجنيد : من كان اللّه همّه طال حزنه . فقال الشّبليّ : لا ، بل من كان اللّه همّه زال حزنه . وقال : طموح الآمال قد خابت إلّا إليك ، وعكوف الهمم قد تعطّلت إلّا عليك ، ومذاهب المعارف « 1 » قد انسدّت إلّا إليك . وقال : مرّ بي بهلول المجنون وهو خارج إلى المقابر ، ومعه قصبة جعلها فرسه ، وبيده مقرعة ، وهو يعدو ، فقلت : إلى أين ؟ فقال : إلى العرض على اللّه ، فجلست حتّى رجع ، وقد انكسرت القصبة ، واحمرّت عيناه من البكاء ، قلت له : ما كان منك ؟ قال : وقفت بين يديه على أن يكتبني من الخدّام ، فلمّا عرفني طردني ، وقال : الوفاء الإخلاص في النّطق ، واستغراق السّرائر بالصّدق . وقال له الجنيد : لو رددت أمرك إلى اللّه استرحت . قال : لا ، بل لو ردّ اللّه أمري إليه لاسترحت ، فقال الجنيد : سيوف الشّبليّ تقطر دما . وقال : كيف يصحّ لك شيء من التّوحيد ، وكلّما ملكت شيئا من الدّنيا ملكك ، وكلّما أبصرت شيئا صرت أسيره ؟ . وسئل عن الزّهد ، فقال : تحويل القلب من الأشياء « 2 » إلى ربّ الأشياء . وقال : التّصوّف ضبط حواسّك ، ومراعاة أنفاسك . وقال : علامة الإفلاس الأنس بالنّاس . وقال : طرح العادات وصول إلى الكرامات ، ومن حقّق رقّة لمولاه استوحش ممّا سواه . وقال : لسان العمل أفصح من لسان العلم . وسئل : هل يبلغ الإنسان بجهده إلى شيء من طرق الحقيقة أو الحقّ ؟
--> ( 1 ) في مناقب الأبرار 165 / ب : مذاهب العارف . ( 2 ) في ( أ ) : عن الأشياء .